جان لوئيس بوركهارت
372
رحلات بوركهارت في بلاد النوبة والسودان
القلى أو الصودا ، كذلك يكثر الرمل في الوديان . لذلك كانت هذه البقعة مناسبة جدا لإقامة مصنع للزجاج ، ومن الثابت أن المصريين القدماء كانوا يستعملون الأواني الزجاجية ، وفي أنقاض مدنهم جميعها شظايا من هذه الأواني مختلفة الأشكال والألوان ، بل إنهم لا بد حذقوا هذه الصناعة حذقا عظيما وحاولوا صناعة زجاج يقلد الأحجار الكريمة ، ففي أثناء إقامتي بأسنا كشف عن كثير من القطع الزجاجية الصغيرة في خرائب إدفو Apollinopolis Magna ، وكانت تزييفا متقنا للجمشت والياقوت . وقبل الظهيرة دخلنا خليج الفجع « * » ، ومدخله سهل ومرساته واسعة . وقد أصيبت قارية المركب هذا الصباح بعطب من جراء جهل البحارة بالقيادة ، والحق أنك لا تجد أعقد ولا أفسد من هذه الطريقة التي يقودون بها هذه السفن الريفية ، فليس لأحد من الملاحين فيها عمل معين اختص به ، وكل حركة على السفينة تشيع فيها الفوضى والاضطراب ، وليس للرّيس سلطان حقيقي على رجاله ، فهم يفعلون ما بدا لهم دون احتفال بأوامره أو أوامر الربان . ولكن جبنهم الشديد يقلل من وقوع الأضرار التي يصح أن تنجم عن هذا الجهل ، فكلما هبت ريح طوى الملاح العربي قلوعه وأرسى مركبه على البر وقبع هناك إلى أن تهدأ الريح . وإذا دنت السفينة من خليج قبل الظهر وكان هناك شك في إمكان الوصول إلى الخليج التالي قبل المغرب يسبب حالة الريح ، بادروا بدخول الخليج الأول وأنفقوا بعد الظهر كله عاطلين ، فإنهم متى شدوا السفينة إلى البر بقوا حيث هم مهما تكن الريح مواتية . والفجع مرسى مشهور على هذا البر ، وسرعان ما بدأنا سوقا مع بعض البدو الذين أتونا بماء زلال . وتستمر الجبال محاذية للساحل بطوله على نحو أربعة أميال أو خمسة من البر ، ويرتفع البر شيئا فشيئا نحو سفوحها . والساحل رملى فيه طبقات طباشيرية كونها الصدف المتكلس ، وأينما تلفت وجدت الأصداف الكثيرة ، وقد
--> ( * ) هذا اسم عربى ، أما أسماء الخلجان التي مررنا بها إلى الآن فبشارية .